الشيخ محمد رشيد رضا
303
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وحم ليسمع النبي ( ص ) صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى اليه ( قال ) وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما لأنها من الالفاظ التي تعارفها الناس في كلامهم والآن كلام لا يشبه الكلام فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ليكون أبلغ في ع سمعه اه وقيل إن العرب إذا سمعوا الآن لغوا فيه فأنزل اللّه هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سببا لاستماعهم له واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة اه وأقول : ان جعل التنبيه للنبي ( ص ) مستبعد وقد كان يتنبه وتغلب الروحانية على طبعه الشريف بمجرد نزول الروح الأمين عليه ودنوه منه كما يعلم مما ورد في نزول الوحي من الأحاديث الصحيحة ، ولا يظهر فيه وجه تخصيص بعض السور بالتنبيه . وانما كان التنبيه أولا وبالذات للمشركين في مكة ثم لأهل الكتاب في المدينة كما تقدم يبا إذ كان المؤمنون يتوجهون بكل قواهم إلى ما يتلوه الرسول ( ص ) عليهم وكله عندهم سواء ، فهم مقصودون بهذا التنبيه بالدرجة الثانية وقد ظهر بما استقصيناه من التتبع انه لم يبين هذه الحكمة أحد بمثل ما بيناها به ابتداء وللّه الحمد ، ولو رأى مثل هذا البيان ابن كثير لما ضعف هذا الوجه إذ نقله موجزا مجملا عن ابن جرير ، وقد رجح هو ما ذهب اليه كثير من العلماء من أن حكمة ذكر هذه الحروف بيان إعجاز الآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الحروف المفردة التي يتألف منها جميع الكلام العربي ، وقد أطنب في تير ذلك من مفسري علماء البلاغة الزمخشري ، وتلاه البيضاوي ، واختاره من علماء المنقول والمعقول ابن تيمية وتبعه تلميذه الحافظ المزي ، فيراجع في محله * * * ( كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) إذا قيل إن ( المص ) اسم للسورة فهو مبتدأ خبره كتاب ، وإلا فهذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك كتاب ، كقوله : ألم ، ذلك الكتاب : وتنكير كتاب للتعظيم والتفخيم ، والمراد به على القول الثاني جملة الآن المشار إلى بعضه المنزل بالفعل ، وجملة « أُنْزِلَ إِلَيْكَ » صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل اليه ولذلك سميت الليلة التي كان بدء نزوله فيها بليلة القدر . وانما قيل « أُنْزِلَ » ولم يقل أنزله اللّه أو أنزلناه إيجازا مؤذنا بأن المنزل مستغن عن التعريف ، وعن اسناده إلى الضمير أو الاسم الصريح ، فان هذا الكتاب البديع ، لا يمكن أن يكون إلا من فوق ذلك العرش الرفيع ( فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) حرج الصدر ضيقه وغمه ، وهو من الحرجة التي هي مجتمع